فصل: خط المناخ

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الخِطط المقريزية المسمى بـ «المواعظ والاعتبار بذكر الخِطط والآثار» **


 خط المناخ

هذا الخط فيما بين البرقية والعطوفية كان مواضع طواحين القصر وقد تقدّم ذكره ثم اختط بعد ذلك وصار حارة كبيرة وهو الآن متداع للخراب‏.‏

خط سويقة أمير الجيوش كان حارة الفرحية وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى في الأسواق وهذا الخط فيما بين حارة برجوان وخط خان الوراقة‏.‏

خط دكة الحسبة هذا الخط يعرف اليوم بمكسر الحطب وفيه سوق الأبازرة وهو فيما بين البندقانيين والمحمودية وفيه عدّة أسواق ودور‏.‏

خط الفهادين هذا الخط فيما بين الجوانية والمناخ‏.‏

خط خزانة البنود هذا الخط فيما بين رحبة باب العيد ورحبة المشهد الحسيني وكان موضعه خزانة تعرف بخزانة البنود وكان أوّلًا يعمل فيها السلاح ثم صارت سجنًا لأمراء الدولة وأعيانها ثم أسكن فيها الفرنج إلى أن هدمها الأمير الحاج آل ملك وحكر مكانها فبنى فيه الطاحون والمساكن كما تقدّم‏.‏

خط السفينة هذا الخط فيما بين درب السلاحي من رحبة باب العيد وبين خزانة البنود كان يقف فيه المتظلمون للخليفة كما تقدّم ذكره ثم اختط فصار فيه مساكن وهو خط صغير‏.‏

خط خان السبيل هذا الخط خارج باب الفتوح وهو من جملة أخطاط الحسينية قال ابن عبد الظاهر‏:‏ خان السبيل بناه الأمير بهاء الدين قراقوش وأرصده لابنا السبيل والمسافرين بغير أجرة وبه بئر ساقية وحوض انتهى‏.‏

وأدركنا هذا الخط في غاية العمارة يعمل فيه عرصة تباع بها الغلال وكان فيه سوق يباع فيه الخشب ويجتمع الناس هناك بكرة كل يوم جمعة فيباع فيه من الأوز والدجاج ما لا يقدر قدره وكانت فيه أيضًا عدة مساكن ما بين دور وحوانيت وغيره وقد اختل هذا الخط‏.‏

هذا الخط أيضًا خارج باب الفتوح مما يلي الخليج وزقاق الكحل كان من جملة حارة البيازرة فانشأه زمام القصر المختار الصقلبي بستانًا وبني فيه منظرة عظيمة فلما زالت الدولة الفاطمية استولى عليه الأمير جمال الدين سويخ بن صيرم أحد أمراء الملك الكامل فعرف به ثم اختط وصار من أجل الأخطاط عمارة تسكنه الأمراء والأعيان من الجند ثم هو الآن آيل إلى الدثور‏.‏

خط قصر ابن عمار هذا الخط من جملة حارة كتامة وهو اليوم درب يعرف بالقماحين وفيه حمام كرائي ودار خوند شقرا يُسلك إليه من خط مدرسة الوزير كريم الدين بن غنام ويُسلك منه إلى درب المنصوري وابن عمار هذا هو أبو محمد الحسن بن عمار بن عليّ بن أبي الحسن الكلبي من بني أبي الحسب أحد أمراء صقيلة وأحد شيوخ كتامة وصاه العزيز باللهنزار بن المعز لدين الله لما احتضر هو والقاضي محمد بن النعمان على ولده أبي علي منصور فلما مات العزيز بالله واستخلف من بعده ابنه الحاكم بأمر الله اشترط الكتاميون وهم يومئذ أهل الدولة أن لا ينظر في أمورهم غير أبي محمد بن عمار بعدما تجمعوا وخرج منهم طائفة نحو المصلى وسألوا صرف عيسى بن مشطروس وأن تكون الوساطة لابن عمار فندب لذلك وخلع عليه في ثالث شوّال سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وقلد بسيف من سيوف العزيز بالله وحُمل على فرس بسرج ذهب ولقّب بأمين الدولة وهو أوّل من لقب في الدولة الفاطمية من رجال الدولة وقيّد بين يديه بحدّة دواب وحُمل معه خمسون ثوبًا من سائر البز الرفيع وانصرف إلى داره في موكب عظيم وقُرىء سجله فتولى قراءته القاضي محمد بن النعمان بجلوسه للوساطة وتلقيبه بأمين الدولة والزم سائر الناس بالترجُّل إليه فترجَّل الناس بأسرهم له من أهل الدولة وصار يدخل القصر راكبًا ويشق الدواوين ويدخل من الباب الذي يجلس فيه خدم الخليفة الخاصة ثم يعدل إلى باب الحجرة التي فيها أميرالمؤمنين الحاكم فينزل على بابها ويركب من هناك وكان الناس من الشيوخ والرؤساء على طبقاتهم يبكرون إلى داره فجيلسون في الدهاليز بغير ترتيب والباب مغلق ثم يفتح فيدخل إليه جماعة من الوجوه ويجلسون في قاعة الدار على حصير وهو جالس في مجلسه ولا يدخل له أحد ساعة ثم يأذن لوجوه من حضر كالقاضي ووجوه شيوخ كتامة والقوّاد فتدخل أعيانهم ثم يأذن لسائر الناس فيزدحمون عليه بحيث لا يقدر أحد أن يصل إليه فمنهم من يومي بتقبيل الأرض ولا يردّ السلام على أحد ثم يخرج فلا يقدر أحد على تقبيل يده سوى أناس بأعيانهم إلا أنهم يومئون إلى تقبيل الأرض وشرف أكابر الناس بتقبيل ركابه وأجلّ الناس من يقبل ركبته وقرّب كتامة وأنفق فيهم الأموال وأعطاهم الخيول وباع من كان بالاصطلات من الخيل والبغال والنجب وغيرها وكانت شيًا كثيرًا وقطع أكثر الرسوم التي كانت تطلق لأولياء الدولة من الأتراك وقطع أكثر ما كان في المطابخ وقطع أرزاق جماعة وفرّق كثيرًا من جواري القصر وكان به من الجواري والخدم عشرة آلاف جارية وخادم فباع من اختار البيع وأعتق من سأل العتق طلبًا للتوفير واصطنع أحداث المغاربة فكثر عتيهم وامتدّت أيديهم إلى الحرام في الطرقات وشلحوا الناس ثيابهم فضج الناس منهم واستغاثوا إليه بشكايتهم فلم يبد منه كبير نكير فأفرط الأمر حتى تعرّض جماعة منهم للغلمان الأتراك وأرادوا أخذ ثيابهم فثار بسبب ذلك شرٌّ قُتِلَ فيه غلام من الترك وحَدَثٌ من المغاربة فتجمع شيوخ الفريقين واقتتلوا يومين آخرهما يوم الأربعاء تاسع شعبان سنة سبع وثمانين وثلاثمائة فلما كان يوم الخميس ركب ابن عمار لابسًا آلة الحرب وحوله المغاربة فاجتمع الأتراك واشتدّت الحرب وقتل جماعة وجرح كثير فعاد إلى داره وقام برجوان بنصرة الأتراك فامتدّت الأيدي إلى دار ابن عمار واصطبلاته ودار رشا غلامه فنهبوا منها ما لا يحصى كثرة فصار إلى داره بمصر في ليلة الجمعة لثلاث بقين ن شعبان واعتزل عن المر فكانت مدّة نظره أحد عشر شهرًا إلاَّ خمسة أيام فأقام بداره في مصر سبة وعشرين يومًا ثم خرج إليه الأمر بعوده إلى القاهرة فعاد إلى قصره هذا ليلة الجمعة الخامس والعشرين من رمضان فأقام به لا يركب ولا يدخل إليه أحد إلاَّ أتباعه وخدمه وأطلقت له رسومه وجراياته التي كانت في أيام العزيز بالله ومبلغها عن اللحم والتوابل والفواكه خمسمائة دينار في كل شهر وفي اليوم سلة فاكهة بدينار وعشرة أرطال شمع ونصف حمل ثلج فلم يزل بداره إلى يوم السبت الخامس من شوّال سنة تسعين وثلثمائة فأذن له الحاكم في الركوب إلى القصر وأن ينزل موضع نزول الناس فواصل الركوب إلى يوم الاثنين رابع عشرة فحضر عشية إلى القصر وجلس مع من حضر فخرج إلى الأمر بالانصراف فلما انصرف ابتدره جماعة من الأتراك وقفوا له فقتلوه واحتزوا رأسه ودفنوه مكانه وحُمل الرأس إلى الحاكم ثم نقل إلى تربته بالقرافة فدفن فيها وكانت مدّة حياته بعد عزله إلى أن قُتل ثلاث سنين وشهرًا واحدًا وثمانية وعشرين يومًا وهو من جملة وزراء الدولة المصرية وولى بعده برجوان وقد مرّ ذكره‏.‏

الدروب والأزقة قد اشتملت القاهرة وظواهرها من الدروب والأزقة على شيء كثير والغرض ذكر ما يتيسر لي من ذلك‏:‏ درب الأتراك هذا الدرب أصله من خط حارة الديلم وهو من الدروب القديمة وقد تقدّم ذكره في الحارات ويتوصل إليه من خطة الجامع الأزهر وقد كان فيما أدركناه من أعمر الأماكن‏.‏

وأخبرني خادمنا محمد بن السعودي قال‏:‏ كنت أسكن في أعوام بضع وستين وسبعمائة بدرب الأتراك وكنت أعاني صناعة الخياطة فجاءني في موسم عيد الفطر من الجيران أطباق الكعك والخشكنانج على عادة أهل مصر في ذلك فملأت زيرًا كبيرًا كان عندي مما جاءني من الخشكنانج خاصة لكثرة ما جاءني من ذلك إذ كان هذا الخط خاصًا بكثرة الأكابر والأعيان وقد خرب اليوم منه عدّة مواضع‏.‏

درب الأسواني ينسب إلى القاضي أبي محمد الحسن بن هبة الله الأسواني المعروف بابن عتاب‏.‏

هذا الدرب كان قديمًا يعرف بحارة الأمراء كما تقدّم فلما كان مجيء الغز إلى مصر واستيلاء صلاح الدين يوسف على مملكة مصر سكن في هذا المكان الملك المعظم شم الدولة توران شاه ابن أيوب فعرف به وسمي من حينئذٍ درب شمس الدولة وبه يعرف إلى اليوم‏:‏ توران شاه الملقب بالملك المعظم شمس الدولة بن نجم الدين أيوب بن شادي بن مروان قدم إلى القاهرة مع أهله من بلاد الشام في سنة أربع وستين وخمسمائة عندما تقلد صلاح الدين يوسف بن أيوب وزارة الخليفة العاضد لدين الله بعد موت عمه أسد الدين شيركوه وكانت له أعمال في واقعة السودان تولاّها بنفسه واقتحم الهول فكان أعظم الأسباب في نصرة أخيه صلاح الدين وهزيمة السودان ثم خرج إليهم بعد انهزامهم إلى الجيزة فافناهم بالسيف حتى أبادهم وأعطاه صلاح الدين قوص وأسوان وعيداب وجعلها له أقطاعًا فكانت عبرتها في تلك السنة مائتي ألف وستة وستين ألف دينار ثم خرج إلى غزو بلاد النوبة في سنة ثمان وستين وفتح قلعة أبريم وسبى وغنم ثم عاد بعدما أقطع أبريم بعض أصحابه وخرج إلى بلاد اليمن في سنة تسع وستين وكان بها عبد النبيّ أبو الحسن عليّ ابن مهدي قد ملك زبيد وخطب لنفسه وكان الفقيه عمارة قد انقطع إلى شمس الدولة وصار يصف له بلاد اليمن ويرغّبه في كثرة أموالها ويغريه بأهلها وقال فيه قصيدته المشهورة التي أولها‏:‏ فبعثه ذلك على المسير إلى بلاد اليمن فسار إليها في مستهل رجب ودخل مكة معتمرًا وسار منها فنزل على زبيد في سابع شوّال وفي نهار الاثنين ثامن شوّال فتحها بالسيف وقبض على عليّ بن مهدي وأخوته وأقاربه واستولى على ما كان في خزائنه من مال وتسلَّم الحصون التي كانت بيده وفي مستهل ذي القعدة توجه قاصدًا عدن وبذل لياسر بن بلال في كل سنة ثلاثين ألف دينار وسلمها إليه فما رغب في ذلك وكان قصده أنّ يقيم بها نائبًا عن المجلس الفخريّ فلما أبى ذلك نزل عليها في يوم الجمعة تاسع عشري ذي القعدة وملكها في ساعة بالسيف وقبض على ياسر وإخوته وولدي الداعي فاحتوى على ما فيها وقبض على عبد النبيّ واستولى أيضًا على تعز وتفكر وصنعا وظفار وغيرها من مدن اليمن وحصونها وتلقب بالملك المعظم وخطب لنفسه بعد الخليفة العباسيّ وما زال بها إلى سنة إحدى وسبعين فسار منها إلى لقاء أخيه صلاح الدين ووصل إليه وملَّكه دمشق في شهر ربيع الأوّل سنة اثنين وسبعين فأقام بها إلى أن خرج السلطان إليه وملَّكه دمشق في شهر ربيع الأوّل سنة اثنين وسبعين فأقام بها إلى أن خرج السلطان صلاح الدين مرة من القاهرة إلى بلاد الشام فجهزه في ذي القعدة سنة أربع وسبعين إلى مصر وكان قد عمله نائبًا ببعلبك فاستناب عنه فيها ودخل إلى القاهرة وأنعم عليه صلاح الدين بالإسكندرية فسار إليها وأقام بها إلى أن توفى في مستهل صفر سنة ست وسبعين وخمسمائة بالإسكندرية فدفن بها وكان كريمًا واسع العطاء كثير الإنفاق مات وعليه مائتا ألف دينار مصرية دينًا فقضاها عنه أخوه صلاح الدين وكان سبب خروجه من اليمن أنه التاث بدنه بزبيد فارتجل له سيف الدولة مبارك بن منقذ‏:‏ وإذا أراد الله سوءًا بامريءٍ وأراد أن يحييهِ غيرُ سعيدِ أغراهُ بالترحالِ من مصر بلا سببٍ وأسكنه بصقعِ زبيدِ فخرج من اليمن كما تقدّم‏.‏

وحكى الأديب الفاضل مهذب الدين أبو طالب محمد بن علي الحالي المعروف بابن الخيمي قال‏:‏ رأيت في النوم المعظم شمس الدولة وقد مدحته وهو في القبر ميت فلفَّ كفنه ورماه إليّ وأنشدني‏:‏ لا تستقلنّ معروفًا سمعتُ به ميتًا وأمسيتُ عنه عاريًا بدني ولا تظننّ جودي شابَهُ بخلٌ من بعد بذلي بملك الشامِ واليمنِ إني خرجت عن الدنيا وليس معي من كل ما ملكتْ كفي سوى كفني وهذا الدرب من أعمر أخطاب القاهرة به دار عباس الوزير وجماعة كما تراه إن شاء الله تعالى‏.‏

درب ملوخيا هذا الدرب كان يعرف بحارة قائد القوّاد كما تقدم وعرف الآن بدرب ملوخيا وملوخيا كان صاحب ركاب الخليفة الحاكم بأمر الله ويعرف بملوخيا الفرّاش وقتله الحاكم وباشر قتله وفي هذا الدرب مدرسة القاضي الفاضل وقد اتصل به الآن الخراب‏.‏

درب السلسلة هذا الدرب تجاه باب الزهومة يعرف بالسلسلة التي كانت تمدّ حل ليلة بعد العشاء الآخرة كما تقدّم وكان يعرف بدرب افتخار الدولة الأسعد وعرف بسنان الدولة بن الكركنديّ وهو الان درب عامر‏.‏

درب الشمسي هذا الدرب بسوق المهامزيين تجاه قيسارية العصفر عرف بالأمير علاء الدين كشنقدي الشميّ أحد الأمراء في أيام الملك الظاهر ركن الدين بيبرس بالندقداريّ وقتل على عكا في سنة تسعين وستمائة بيد الفرنج شهيدًا وكان هذا الدرب في القديم موضعه دار الضرب ثم صار من حقوق درب ابن طلائع بسوق الفرّايين وقد هَدَم بعض هذا الدرب الأمير جمال الدين يوسف الاستادار لما اغتصب الحوانيت التي كانت على يمنة السالك من الخراطين إلى سوق الخيميين وكانت في وقف المعظم تمرتاش الحافظي كما سيأتي ذكره عند ذكرمدرسته إن شاء الله تعالى‏.‏

درب ابن طلائع هذا الدرب على يسرة من سلك من سوق الفرّايين الآن الذي كان يعرف قديمًا بالخرقيين طالبًا إلى الجامع الأزهر ويسلك في هذا الدرب إلى قيسارية السروج وباب ممرّ حمّام الخرّاطين ودار الأمير الدمر وعرف هذا الدرب أوّلًا بالأمير نور الدولة أبي الحسن عليّ بن نجا بن راجح بن طلائع ثم عرف بدرب الجاولي الكبير وهو الأمير عز الدين جاولي الأسدي مملوك اسد الدين شيركوه بن شادي ثم عرف بدرب العماد سنينات ثم عرف بدرب الدمر وبه يعرف إلى الآن‏.‏

الدمر أمير جان دار سيف الدين أحد أمراء الملك الناصر محمد بن قلاون خرج إلى الحج في سنة ثلاثين وسبعمائة وكان أمير حاج الركب العراقي تلك السنة يقال له محمد الحويج من أهل توريز بعثه أبو سعيد ملك العراق إلى مصر وخفّ على قلب الملك الناصر ثم بلغه عنه ما يكرهه فأخرجه من مصر ولما بلغه أنّ حويج في هذه السنة أمير الركب العراقيّ كتب إلى الشريف عطيفة أمير مكة أن يعمل الحيلة في قتله بكل ما يمكن فأَطلع على ذلك ابنه مباركًا وخواص قوّاده فاستعدّوا لذلك فلما وقف الناس بعرفة وعادوا يوم النحر إلى مكة قصد العبيد إثارة فتنة وشرعوا في النهب لينالوا غرضهم من قتل أمير الركب العراقيّ فوقع الصارخ وليس عند المصريين خبر مما كتبه السلطان فنهض أمير الركب الأمير سيف الدين خاص ترك والأمير أحمد قريب السلطان والأمير الدمر أمير جان دار في مماليكهم وأخذ الدمر يسب الشريف رميته وأمسك بعض قوّاده وأحدق به فقام إليه الشريف عطيفة ولاطفه فلم يرجع وكان حديد النفس شجاعًا فأقدم إليهم وقد اجتمع قوّاد مكة وأشرافها وهم ملبسون يريدون الركب العراقيّ وضرب مبارك بن عطيفة بدبوس فأخطأه وضربه مبارك بحربة نفذت من صدره فسقط عن فرسه إلى الأرض فأرتج الناس ووقع القتال فخرج أمير الركب العراقيّ واحترس على نفسه فسلم وسقط في يد أمير مكة إذ فات مقصوده وحصل ما لم يكن بإرادته ثم سكنت الفتنة ودفن الدمر وكان قتله يوم الجمعة عشر ذي الحجة فكأنما نادى منادي في القاهرة والقلعة والناس في صلاة العيد بقتل الدمر ووقوع الفتنة بمكة ولم يبق أحد حتى تحدّث بذلك وبلغ السلطان فلم يكترث بالخبر‏.‏

وقال أين مكة من مصر ومن أتى بهذا الخبر واستُفيض هذا الخبر بقتل الدمر حتى انتشر في إقليم مصر كله فما هو إلاّ أن حضر مبشر الحاج في يوم الثلاثاء ثاني المحرّم سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة فاخبروا بالخبر مثل ما أشيع فكان هذا من أغرب ما سُمِعَ به ولما بلغ السلطان خبر قتل الدمر غضب غضبًا شديدًا وصار يقوم ويقعد وأبطل السماط وأمر فجرد من العسكر ألفا فارس كل منهم بخودة وجوشن ومائة فردة نشاب وفأس برأسين أحدهما للقطع والآخر للهدم ومع كل منهم جملان وفرسان وهجين ورسم لأمير هذا العسكر أنه إذا وصل إلى ينبع وعدّاه ولا يرفع رأسه لى السماء بل ينظر إلى الأرض ويقتل كل من يلقاه من العربان إلاّ من علم أنّه أمير عرب فإنه يقيده ويسجنه معه وجرّد من دمشق ستمائة فارس على هذا الحكم وطلب الأمير أيتمش أمير هذا الجيش ومن معه من الأمراء والمقدّمين وقال له‏:‏ بدار العدل يوم الخدمة‏:‏ وإذا وصلت إلى مكة لا تدع أحدًا من الأشراف ولا من القوّاد ولا من عبيدهم يسكن مكة وناد فيها من أقام بمكة وحلّ دمه ولا تدع شيئًا من النخل حتى تحرقه جميعه ولا تترك بالحجاز دمنة عامرة وأخرب المساكن كلها وأقيم في مكة بمن معك حتى أبعث إليك بعسكر ثاني وكان القضاة حاضرين‏.‏

فقال قاضي القضاة جلال الدين القزوينيّ‏:‏ يا مولانا السلطان هذا حَرَمٌ قد أخبر الله عنه أنّ من دخله كان آمنًا وشرّفه‏.‏

فردّ عليه جوابًا في غضب‏.‏

فقال الأمير أيتمش يا خوند فإن حضر دمنة للطاعة وسأل الأمان فقال أمِّنه‏.‏

ثم لم سكن عنه الغضب كتب باستقرار أهل مكة وتأمينهم وكتب أمانًا نسخته‏:‏ هذا أمان الله سبحانه وتعالى وأمان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأماننا للمجلس العالي الأسدي دمنة بن الشريف نجم الدين محمد بن أبي نمر بأن يحضر إلى خدمة الصنجق الشريف صحبة الجناب العالي السيفي ايتمش الناصري آمنًا على نفسه وأهله وماله وولده وما يتعلق به لايخشى حلول سطوة قاصمة ولا يخاف مؤاخذة حاسمة ولا يتوقع خديعة ولا مكرًا ولا يحدذر سوًا ولا ضررًا ولا يستشعر مخافة ولا ضررًا ولا يتوقع وجلًا ولا يرهب باسًا‏.‏

وكيف يرهب من أحسن عملًا بل يحضر إلى خدمة الصنجق آمنًا على نفسه وماله وآله مطمئنًا واثقًا بالله ورسوله‏.‏

وبهذا الأمان الشريف المؤكد الأسباب المبيض الوجه الكريم الأحساب وكلما يخطر بباله أنا نؤاخذ به فهو مغفور ولله عاقبة الأمور وله منّا الإقبال والتقديم وقد صفحنا الصفح الجميل وأنّ ربك هو الخلاّق العليم فليثق بهذا الأمان الشريف ولا يسيء به الظنون ولا يصغي إلا قول الذين الذين لا يعملون ولا يستشير في هذا الأمر إلاّ نفسه فيومه عندنا ناسخ لأمسه‏.‏

وقد قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ يقول الله تعالى أنا عند ظن عبدي بي فليظنّ بي خيرًا فتمسك بعروة هذا الأمان فإنها وثقى واعمل عمل من لا يضل ولا يشقى ونحن قد أمّنَّاك فلا تخف ورعينا لك الطاعة والشرف وعفا الله عما سلف ومن أمّناه فقد فاز فطب نفسًا وقرّ عينًا فأنت أمير الحاجز والحمد لله وحده ‏"‏‏.‏

وكان الدمر فيه شهامة وشجاعة وله سعادة طائلة ضخمة ومتاجر وزراعات اقتنى بها أمولًا جزيلة وزوَج ابنه بابنة قاضي القضاة جلال الدين القزويني‏.‏

درب قيطون هذا الدرب بين قيسارية جهاركس وقيسارية أمير علي وهو نافذ إلى خلف مستوقد حمّام القاضي وكان من حقوق درب الأسواني‏.‏

درب السراج هذا الدرب على يسرة من سلك من الجامع الأزهر طالبًا درب الأسوانيّ وخط الأكفانيين وكان من جملة خط درب الأسواني ثم أفرد فصار من خط الجامع الأزهر وكان يعرف اوّلًا بدرب السراج ثم عرف بدرب الشامي وهو الآن يعرف بدرب ابن الصادر عمر‏.‏

درب القاضي هذا الدرب يقابل مستوقد حمّام القاضي على يمنة من سلك من درب الأسوانيّ إلى الجامع الأزهر وهو حقوق درب الأسواني كان يعرف أوّلًا بزقاق عزاز غلام أمير الجيوش شاور السعدي وزير العاضد ثم عرف بالقاضي السعيد أبي المعالي هبة الله بن فارس ثم عرف بزقاق ابن الإمام وعرف أخيرًا بدرب ابن لؤلؤ وهو شمس الدين محمد بن لؤلؤ التاجر بقيسارية جهاركس‏.‏

هو من جملة خط الأكفانيين الآن المسلوك إليه من الجامع الأزهر وسوق الفرّايين عرف بذلك لأنه كان به دار تعرف بالدار البيضاء‏.‏

درب المنقدي هذا الدرب بين سوق الخيميين وسوق الخرّاطين على يُمنة من سلك من الخرّاطين إلى الجامع الأزهر كان يعرف قديمًا بزقاق غزال وهو صنيعة الدولة أبو الظاهر إسماعيل بن مفضل بن غزال ثم عرف بدرب المنقدي وهو الآن يعرف بدرب الأمير بكتمر استدار العلاي‏.‏

درب خرابة صالح هذا الدرب على يسرة من سلك من أوّل الخرّاطين إلى الجامع الأزهر كان موضعهه في القديم مارستانًا ثم صار مساكن وعرف بخرابة صالح وفيه الآن دار الأمير طينال التي صارت بيد ناصر الدين محمد البارزي كاتب السرّ وفيه أيضًا باب سوق الصنادقيين‏.‏

درب الحسام هذا الدرب على يمنة من سلك من آخر سويقة الباطلية إلى الجامع الأزهر عرف بحسام الدين لاجين الصفدي استادار الأمير منجك‏.‏

هذا الدرب بأوّل الحارة الصالحية تجاه درب أمير حسين عرف أوّلًا بدرب الجوهري وهو شهاب الدين أحمد بن منصور الجوهري كان حيًا في سنة ثمانين وستمائة وعرف أخيرًا بدرب المنصوري وهو الأمير قطلوا بغا بالمنصوري حاجب الحُطَّاب في أيام الملك الأشرف شعبان بن حسين‏.‏

درب أمير حسين هذا الدرب في طريق من سلك من خط خان الدميري طالبًا إلى حارة الصالحية وحارة البرقية استجدّه الأمير حسين بن الملك الناصر محمد بن قلاون ومات في ليلة السبت رابع شهر بيع الآخر سنة أربع وستين وسبعمائة وكان آخر من بقي من أولاد الملك الناصر محمد بن قلاون وهو والد الملك الأشرف شعبان بن حسين‏.‏

درب القماحين هذا الدرب كان يعرف بخط قصر ابن عمار من جملة حارة كتامة قريبًا من الحارة الصالحية وفيه اليوم دار خوند شقرا وحمام كراي وراء مدرسة ابن الغنام‏.‏

درب العسل هذا الدرب على يُمنة من خرج من خط السبع خوخ يريد المشهد الحسيني كان يُعرف أوّلًا بخوخة الأمير عقيل ابن الخليفة المعز لدين الله أبي تميم معدّ أوّل خلفاء الفاطميين بالقاهرة ومات في سنة أربع وسبعين وثلاثمائة هو وأخوه الأمير تميم بن المعز بالقاهرة ودفنا بتربة القصر‏.‏

درب الجباسة هذا الدرب تجاه من يخرج من سوق الأبارين إلى المشهد الحسيني وهو من جملة القصر الكبير وبه دار خوخي التي تعرف اليوم بدار بهادر‏.‏

درب ابن عبد الظاهر هذا الدرب بجوار فندق الذهب بخط الزراكشة العتيق وفي صفه وهو من حقوق دار العلم التي استجدّت في خلافة الآمر ووزارة المأمون الباطيجي فلما زالت الدولة اختط مساكن وسكن هناك القاضي محي الدين ابن عبد الظاهر فعرف به‏.‏

درب الخازن هذا الدرب ملاصق لسور المدرسة الصالحية التي للحنابلة ومجاور لباب سرّ قاعة مدرسة الحنابلة والسبيل الذي على باب فندق مسرور الصغير استجدّه الأمير علم الدين سنجر الخازن الأشرفيّ والي القاهرة المنسوب إليه حكر الخازن بخط الصليبة وسنجر هذا كانت فيه حشمة وله ثروة زائدة ويحب أهل العلم تنقل في المباشرات إلى أن صار والي القاهرة فاشتهر بدقة الفهم وصدق الحدس الذي لا يكاد يُحطىء مع عقل وسياسة وإحسان إلى الناس وعزل بالأمير قديدار ومات عن تسعين سنة في ثامن جمادى الأولى سنة خمس وثلاثين وسبعمائة‏.‏

درب الحبيشي هذا الدرب على يُمنة من سلك من خط الزراكشة العتيق طالبًا سوق الأبّارين وهو بجوار دار خواجا المجاورة لخان منجك أصله من جملة القصر النافعي وكان يُعرف بخط القصر النافعي ثم عُرف بخط سوق الوراقين وهو الآن يُعرف بدرب الحبيشي وهو الأمير سيف الدين بلبان الحبيشي أحد الأمراء الظاهرية بيبرس‏.‏

درب دغمش هذا الدرب ينفذ إلى الخوخة التي تخرج قبالة حمّام الفاضل المرسوم لدخول النساء كان يُعرف قديمًا بدرب دغمش ويقال طغمش ثم عرف بدرب كوز الزير ويُقال كوز الزيت ويعرف بدرب القضاة بني غثم من حقوق حارة الروم‏.‏

درب أرقطاي هذا الدرب بحارة الروم كان يُعرف بدرب الشماع ثم عرف بدرب شمخ وهو تاج العرب شمخ الحلبي ثم عرف بدرب المعظم وهو الأمير عز الملك المعظم ابن قوام الدولة جبر بجيم وباء موحدة ثم عرف بدرب أرسل وهو الأمير عز الدين أرسل بن قرأ رسلان الكاملي والد الأمير جاولي المعظمي المعروف بجاولي الصغير ثم عرف بدرب الباسعردي وهو الأمير علم الدين سنجر الباسعردي أحد أكابر المماليك البحرية الصالحية النجمية وولي نيابة حلب ثم عرف إلى الآن بدرب ابن أرقطاي والعامّة تقول رقطاي بغير همز وهو أرقطاي الأمير سيف الدين الحاج أرقطاي أحد مماليك الملك الأشرف خليل ابن قلاون وصار إلى أخيه الملك الناصر محمد فجعله جمدارًا وكان هو والأمير أيتمش نائب الكرك بينهما أخوت ولهما معرفة بلسان الترك القيجاقي ويرجع إليهما في الياسة التي هي شريعة جنكزخان التي تقول العامّة وأهل الجهل في زماننا هذا حكم السياسة يريدون حكم الياسة ثم إن الملك الناصر أخرجه مع الأمير تنكر إلى دمشق ثم استقرّ في نيابة حمص لسبع مضين من رحب سنة عشر وسبعمائة فباشرها مدّة ثم نقله إلى نيابة صفد في سنة ثمان عشرة فأقام بها وعمر فيها أملاكًا وتربة فلما كان في سنة ست وثلاثين طلب إلى مصر وجهز الأمير أيتمش أخوه مكانه وعمر أمير ماية بمصر فلما توجه العسكر إلى اياس خرج معهم وعاد فكان يعمل نيابة الغيبة إذا خرج السلطان للصيد ثم أخرج إلى نيابة طرابلس عوضًا عن طينال فأقام بها إلى أن توجه الطنبغا إلى طشطمر نائب حلب وكان معه بعسكر طرابلس فلما جرى من هروب الطنبغا ما جرى كان أرقطاي معه فأمسك واعتقل بسكندرية ثم أفرج عن أرقطاي في أوّل سلطنة الملك الصالح إسماعيل بوساطة الأمير ملكتمر الحجازي وجعل أميرًا إلى أن مات الصالح‏.‏

وقام من بعده الملك الكامل شعبان ورسم له بنيابة حلب عوضًا عن الأمير يلبغا اليحياوي فحضر إليها في جمادى الأولى سنة ست وأربعين فأقام بها نحو خمسة أشهر ثم طُلب إلى مصر فحضر إليها فلم يكن غير قليل حتى خلع الكامل وتسلطن المظفر حاجي وولاه نيابة السلطنة بمصر فباشرها إلى أن خلع المظفر وأقيم في السلطنة الملك الناصر استعفى من النيابة وسأل نيابة حلب فأجيب ووليّ نيابة حلب وخرج إليها وما زال فيها إلى أن نقل منها إلى نيابة دمشق ففرح أهلها به وساروا إلى حلب فرحل عنها فنزل به مرض وسار وهو مريض فمات بعين مباركة ظاهر حلب يوم الأربعاء خامس جمادى الأولى سنة خمس وسبعمائة وقد أناف عن السبعين‏.‏

فعاد أهل دمشق خائبين‏.‏

وكان زكيًا فطنًا محجاجًا لَسِنًَا مع عجمة في لسانه وله تبنيت مطبوع وميل إلى الصور الجميلة ما يكاد يملك نفسه إذا شاهدها مع كرم في المأكول‏.‏